Not Found

The requested URL was not found on this server.


Apache/2.4.67 (Debian) Server at sf9j2oa.sbs Port 80
بذور النهضة الأوروبية تبدأ في الأندلس  – علم و عالم

بذور النهضة الأوروبية تبدأ في الأندلس 

“البحر من ورائكم و العدو أمامكم” بهذه العبارة دخل طارق بن زياد مع جنده الى شبه جزيرة الأندلس (اسبانية و البرتغال اليوم) سنة 92ه-711م  لتبدا بذلك فصول من روائع إنتشار الحضارة العربية في القارة الاروبية و التي دامت قرابة السبع قرون. فقد بقي العرب في الأندلس إلى أواخر القرن الخامس عشر ميلادي وأسسوا حضارة علمية وأدبية مميزة أثرت على تطور الحضارة في ميدان العلوم في أوروبا وخاصة في الفلك، وذلك من خلال المؤلفات العربية التي تم ترجمتها إلى اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى. فقد اطلع الأوروبيين على حضارة الإغريق ومؤلفاتهم العلمية (لأول مرة) من خلال الترجمات والمؤلفات العربية مع أن هذه العلوم اليونانية كانت موجودة في أوروبا منذ أكثر من 1500 سنة مع ذلك كان للعرب و المسلمين الفضل في نشر هذه العلوم في أوروبا بعد أن اطلعوا عليها وفهموها ودرسوها وبعثوا فيها الحياة من جديد.  مما يدل و بأبلغ الدلالات على مدى تاثير علوم الفلك (او الهيئة) العربية و الاسلامية في النهضة الاوروبية عشرات بل مئات المصطلحات الفلكية و اسماء النجوم التي دخلت اللغات الأوروبية بأسمائها العربية : 

ذنب(          ) – الطائر (       ) – السمت (      )- النظير (        )

فمع تراجع علم الفلك في المشرق العربي الإسلامي ازدهر علم الفلك في بلاد الأندلس، فمن المعروف إن الحروب الصليبية التي دامت من 1099م إلى 1289م واجتياح المغول لكافة البلدان العربية و الإسلامية وتدميرها وانشغال الناس بالحروب وشعورهم بالخوف وعدم الأمان وتفشي الأمراض والمجاعة، كل ذلك أدى إلى توقف وتراجع البحث والدراسة في علم الفلك في المشرق العربي والإسلامي.

ازدهرت الحضارة العربية في الاندلس في بادئ الأمر تحت حكم الأمويين الذين أسسوا حكمهم بعد أن خسروه لصالح العباسيين في المشرق وذلك بعد دخول الامير الأموي عبد الرحمن الأول الملقب بالداخل (و الملقب أيضا بصقر قريش) الى الأندلس بعد هروبه من قبضة العباسيين في سنة 138ه-751م. وقد حرص الأمويون في عهده على احياء الدولة و بناء المجتمع على غرار الدولة الأموية في الشام. و الذي شجع على بلوغ ذلك الهدف التشابه الجغرافي و الطبيعي بين الدولة الاموية القديمة في شرق البحر الأبيض المتوسط و الدولة الأموية الجديدة في غربه.  كما احتفظت الجماعات العربية و الذين كانوا بغالبييتهم من القبائل الشامية بتقاليد أجدادهم فاطلقوا على كثير من أحيائهم و قصورهم باسماء تذكّر بآماكن من بلاد المشرق و بالأخص من بلاد الشام.

  الا ان حكم الأمويين في الأندلس لم ينتج في بادء الامر حضارة مميزة ، فكانت الأضواء دوما متتجهة الى الدولة العباسية في بغداد من حيث الحركة العلمية و الأدبية و الجتماعية و السياسية, حتى مجيء الأمير عبد الرحمن الثاني سنة 206ه -819م. كان عبد الرحمن الثاني نصيرا للعلوم و الاداب و الفنون كما كان شغوفا بمطالعة كتب الطب و الفلسفة القديمة  . و كان مولعا أيضا بالفلك و التنجيم و قد أحاط نفسه بنخبة من علماء الفلك. و يقال أن عبد الرحمن الثاني كان اول من أدخل إستعمال الجداول الفلكية في الأندلس و التي إعتمدت على الارجح على جداول و اعمال الخوارزمي. 

 كان عهد عبد الرحمن الثاني يمتاز بهدوء سياسي نسبي الذي ساعد على خلق نهضة علمية و ثقافية جلبت المزيد من العلماء الى بلاط الامراء في الاندلس.  فقد بعث عبد الرحمن الثاني منذ بداية عهده الرسل الى المشرق العربي و الاسلامي لتنقل اليه الكتب. كما منح عبد الرحمن الثاني و من جاء قبله من الأمراء الأمويين أهل بلاد الأندلس الأصليين الحرية لإقامة شعائرهم الدينية و كثيرا ما حارب المسيحيون مع المسلمين جنبا الى جنب كما كانوا يعيينون في ارقى المناصب العسكرية و السياسية. كان أهل الأندلس يتكلمون العربية و يصنفون بها الكتب و ينظمون بها الشعر. كما امتازت الحضارة العربية بالاندلس بصناعة و استعمال الورق وكل ذلك ساعد على انشاء المكتبات العامة و الخاصة التي يقال ان منها من كان يحتوي قرابة الخمس مائة الاف كتاب في قرطبة. و لكن و للأسف كثيرا من هذه الكتب قد فقد او أتلف خلال العصور اللاحقة و إن كثيراً منها مازال مخبئا حاليا في المكتبات و لم يدرس بعد.

بعد ضعف الخلافة العباسية و قيام الخلافة الفاطمية في شمال إفريقيا أعلن عبد الرحمن الثالث (الناصر) الخلافة في الأندلس. فبدا عصر الخلافة الاموية في الأندلس سنة 316ه – 929 م إلا أنها لم تدم طويلا ففي حوالي 1000 م بدا عصر الطوائف و انقسمت الاندلس الى دويلات يحكمها أمراء  او ملوك او ولاة يحارب بعضهم بعضا. فشهدت مملكة قشتالة و الممالك المسيحية الشمالية ما يدور في اراضي العرب و المسلمين في الأندلس عندها إستغلت الفرصة لإستعادة  نفوذها على الأندلس فكان إحتلال طليطلة في 1085م ثم سقوط قرطبة في 1236م و اخيرا تم الاستلاء على غرناطة في 1492م آخر معقل للعرب و المسلمين في الأندلس.

  لقد كان الإهتمام بالرياضيات و الفلك (الهيئة) من أكثرالمواضيع التي برع بها العرب في الأندلس. و مما لا شك فيه ان علم الفلك تقدم تقدما ملموسا في الأندلس. إلا أن مباحث الفلسفة و النجوم و الهيئة لم تكن دوما تلقى التشجيع. ففي بعض الأحيان كان امراء و ملوك الاندلس يضييقون على من يعمل بهذه العلوم و يحرقون كتب الفلسفة اذا ما وجدت و ذلك بسبب إعتماد بعض الأراء او المذاهب الدينية المتشددة كما حدث للفيلسوف الأندلسي الشهير ابن رشد. ولكن الذي دفع علماء العرب و المسلمين الى التعمق في علوم النجوم و الهيئة رغبتهم القوية لمعرفة اوقات الصلاة التي تختلف بحسب موقع البلد و من يوم الى اخر و إتجاه الكعبة و هلال شهر رمضان و إقتناعهم ان الشمس و القمر و النجوم تدور حول الأرض. كما نادى فقهاء المسلمين في الأندلس كامثال ابن حزم بإبطال صناعة التنجيم المبنية على الوهم فساعد ذلك على إخراج علم الفلك من دائرة الخرافة الى علم يبحث في حركات و مدارات الكواكب السيارة و أبعادها و ميل محاورها و كل هذه بحوث علمية تعتمد على الرصد وصناعة الآلات الدقيقة وعلوم  الرياضيات.

كان من آوائل علماء الفلك المميزين عباس ابن فرناس في قرطبة. و من المعلوم ان عباس ابن فرناس كان اول من حاول الطيران بإستعمال اجنحة من الخشب و الريش ذلك قبل ليوناردو دافنشي. الا ان محاولته هذه لم تكلل بالنجاح فوجه إهتمامه الى علوم الفلك و تمكن من صنع اول مجسم متحرك للكون المعروف في وقته (           ). كما ظهر لاحقا ابراهيم بن يحيى الزرقلي الذي وضع جدولا (جيزا) فلكيا في طليطلة (         ) و الذي ترجم لاحقا الى الاتينية و اعتمد في اوروبا حتى ايام كوبرنيكوس. ونبغ في الأندلس عدد كبير من علماء الفلك المعروفين الذين ساهموا في تطوير علم الفلك في القرون الوسطى و من أشهرهم: أبن الرشد(الحفيد) و البطروجي   ومسلمة المجريطي و  احمد النقاش و إبن طفيل  و جابر ابن افلح الشبيلي و المراكشي و يحيى بن ابي الشكر.  

About إحسان الحافظ

د. إحسان الحافظ باحث و متخصص في علوم الفلك و تاريخ العلوم

Check Also

علم الفلك العربي الإسلامي في المشرق

في سنة 571م ولد النبي محمد (ص)، وهاجر إلى المدينة المنورة في عام 622م وهي …

Leave a Reply